فصل: الخبر عن بني ثابت رؤساء مدينة طرابلس وأعمالها

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  الخبر عن بني مكي رؤساء قابس وأعمالها

كانت قابس هذه من ثغور إفريقية ومنتظمة في عمالاتها وكان ولاتها من القيروان أيام الأغالبة والعبيديين وصنهاجة من لدن الفتح ولما دخل الهلاليون إفريقية واضطربت أمورها واقتسمت دولة صنهاجة طوائف انتزى بقابس من صنهاجة المعز بن محمد الصنهاجي وأدال منه مونس بن يحيى الصنبري من مرداس رياح بأخيه إبراهيم إلى أن هلك وولي أخوه قاضي بن إبراهيم ثم نازله أهل قابس وقتلوه أيام تميم بن باديس وبايعوا لعمر بن المعز بن باديس كان مخالفاً على أخيه وذلك سنة تسع وثمانين وأربعمائة‏.‏ثم غلبه عليها أخوه تميم وكان مغلباً للعرب‏.‏وكانت قابس وضواحيها في قسم زغبة من عرب هلال‏.‏ثم غلبتهم رياح عليها ونزل مكن بن كامل بن جامع من بني دهمان أخوة فادغ وهما معاً من بني علي إحدى بطون رياح فاستحدث بها مكن ملكاً لقومه بني جامع وأورثه بنيه إلى أن استولى الموحدون على إفريقية وبعث عبد المؤمن عساكره إلى قابس ففر عنها مدافع بن رشيد آخرهم وانتظمها كما ذكرناه في أخبارهم وملكها وانقرض ملك بني جامع وصارت قابس وعملها للموحدين وكانت ولاة إفريقية من السادة يولون عليها من الموحدين إلى أن تغلب بنو غانية وقراقش على طرابلس وقابس وأعمالها وكان ما ذكرناه في أخبارهم‏.‏ثم غلب الموحدون يحيى بن غانية عليها وأنزلوا بها عمالهم‏.‏ولما عاد بنو أبي حفص إلى إفريقية العودة الثانية بعد مهلك الشيخ أبي محمد عبد الواحد وعقد العادل على إفريقية لابنه أبي محمد عبد الله معه على قابس للأمير أبي زكريا أخيه فنزلها أميراً ثم كان من شأن استبداده وخلعه لأخيه ولطاعة بني عبد المؤمن ما ذكرناه‏.‏وكان مشيخة قابس لذلك العهد في بيوت من بيوتاتها وهم بنو مسلم ولم يحضرني فيمن هو نسبهم‏.‏وبنو مكي ونسبهم في لواتة وهو مكي بن فراج بن زيادة الله بن أبي الحسن بن محمد بن زيادة الله بن أبي الحسين اللواتي‏.‏وكان بنو مكي هؤلاء خالصة للأمير أبي زكرياء‏.‏ولما اعتزم على الاستبداد داخل أبا القاسم عثمان بن أبي القاسم بن مكي وتولى له أخذ البيعة على الناس فكان له ولقومه بذلك مكان من الموالي أبي زكرياء رعى لهم ذمتها ورفع من شأنهم بسببها ورموا ببني سليم نظرائهم في رياسة البلد بصاغيتهم إلى ابن غانية فأخمدوا ذبالهم واستقلوا بشورى بلدهم‏.‏وأقاموا على ذلك أيام المولى أبي زكرياء الأول وابنه المستنصر‏.‏ثم كان ما قدمناه من مهلك الواثق ابن المستنصر وبنيه على يد عمهم السلطان أبي إسحاق وما كان من أمر الداعي بن أبي عمارة وكيف شبه على الناس بالفضل ابن المخلوع بحيلة مولاهم نصير رام أن يثار بها من قاتلهم فتمت مكيدته في ذلك لما أراده الله‏.‏ولما أظهر نصير أمره وتسايلت العرب إلى بيعته خاطب لأول أمره رئيس قابس لذلك العهد من بني مكي عبد الملك بن عثمان بن مكي فسارع إلى طاعته وحمل الناس عليها وكانت له بذلك قدم في الدولة معروف رسوخه‏.‏ولما ألقى الداعي ابن أبي عمارة جسداً على كرسي الخلافة سنة إحدى وثمانين قلده خطة الجباية بالحضرة مستقلاً فيها بالولاية والعزل والفرض والتقدير والحسبان وبعد أن أجزل من بيت المال عطاءه وأسنى رزقه وجرايته وأهدى الجواري من القصر إليه‏.‏ولما هلك الداعي واستقلت قدم الخلافة من عثارها كما قدمناه سنة ثلاث وثمانين لحق عبد الحق بن مكي ببلده وامتنع بها على حين ركود ريح الدولة وفشلها ومرض في طاعته ودافع أهل الدولة بالدعاء للخليفة على منابره‏.‏ثم جاهر بالخلعان سنة ثلاث وتسعين وبعث بطاعته إلى صاحب الثغور المولى أبي زكرياء الأوسط‏.‏وهلك ابنه أحمد ولي عهده سنة سبع وتسعين‏.‏ثم هلك هو من بعده على رأس المائة السابعة وتخلف حافده مكياً فنصبوه للملك يفعة وكفله ابن عمه يوسف بن حسن‏.‏وقام بالأمر مستبداً عليه إلى أن هلك وخلفه في كفالة أحمد بن ليران من بيوت أهل قابس وأصهار بني مكي‏.‏والتاث أمرهم بمهلك يوسف فنقلهم السلطان ابن اللحياني إلى الحضرة ثم هلك خلال ذلك مكي وتخلف صبيين يافعين عبد الملك وأحمد فكفلهما أحمد بن ليران إلى أن شبا واكتهلا ولهما من الامتناع على الدولة والاستبداد بأمر القطر والاقتصار على الدعاء للخليفة مثل ما كان لأبيهما وأكثر لتقلص ظل الملك عن قطرهم‏.‏وشغل السلطان بمدافعة آل يغمراسن وعساكرهم عن الثغور الغربية وأجلابهم بالأعياص من أهل البيت على الحضرة‏.‏ولما هلك السلطان أبو يحيى اللحياني قفل ابنه عبد الواحد إلى المغرب يحاول أسباب الملك ونزل بساحتهم على ما كان من صنع أبيه إليهم فذكروا العهد وأوجبوا الحق وأتوه بيعتهم‏.‏وقام كبيرهم عبد الملك بأمره ودعا الناس إلى طاعته وخالف السلطان أبا يحيى عند نهوضه إلى الثغر ببجاية سنة ثلاث وثلاثين كما قدمناه فدخل الحضرة ولبث بها أياماً لم تبلغ نصف شهر‏.‏وبلغ خبرهم إلى السلطان فانكفأ راجعاً وفروا إلى مكانهم من قابس والدولة تنظر لهم الشزر وتتربص بهم الدوائر إلى أن غلب السلطان أبو الحسن على تلمسان ومحا دولة آل يغمراسن وفرغت الدولة من شأنهم إلى تمهيد أعمالها وتقويم المنحرفين عن الطاعة من ولاتها‏.‏وقفل حمزة بن عمر بشفاعة من السلطان أبي الحسن إلى السلطان أبي يحيى في شأنه فتقبل وسيلته واستخلصه لنفسه من بعدها واستقام هو على الطاعة التي لم تجد وليجة عنها وسلك سبيله تلك أقتاله من الدولة الطائحين في هوة الشقاق فأوفد عبد الملك هذا شقيقه أحمد على السلطان أبي الحسن متنصلا من ذنوبه لائذاً بشفاعته متوسلا بما قدمناه من خدمته حظاياه في طريقهن إلى الحج ذاهباً وجائياً فخاطب السلطان أبا يحيى في شأنه وأعاده إلى مكانه من اصطناع سلفه واستقام على طاعته‏.‏ولما انتظم السلطان أبو يحيى سائر البلاد الجريدية في ملكه وعقد عليها لابنه أبي العباس ولي عهده وأنزله دار إمارتها متردداً ما بين توزر وقفصة إلى أن قفلت عمته من الحج سنة ست وأربعين وخرج للقائها مختفياً بين الظعائن فجمعه مجلسها بأحمد بن مكي كان قد اعتمد تلقيها والقيام بصحابتها في مراحل سفرها من بلده إلى آخر عمله فمسح الأمير أبو العباس الإحن عن صدره وأدال له الأمين والرضى من توحشه واستخلصه لدولته ونجوى أسراره واصطفاه لنفسه وحمله رديفاً لحاجبه فحل من دولته بمكان غبطة فيه امتيازه من أمراء تلك الطوائف‏.‏وعقد له السلطان أبو يحيى على جزيرة جربة بوسيلة أبي العباس ابنه وقد كان افتتحها مخلوف بن الكماد من صنائعهم من يد العدو أهل صقلية كما ذكرناه فضمها إليه وصيرها في أعماله‏.‏ولم يزل هذا شأنه معه إلى أن هلك أبو العباس ولي العهد بتونس على يد أخيه أبي حفص عمر عندما دخلها بعد مهلك أبيهما كما ذكرناه ولحق أحمد بن مكي ببلده‏.‏ثم سار في وفد رؤساء الجريد إلى تلقي السلطان أبي الحسن عند نهوضه إلى إفريقية سنة ثمان وأربعين ولقيه معهم بوهران من أعمال تلمسان وكان قدمه عنده فوق قدمهم‏.‏ورجع الوفد على أعقابهم محبورين‏.‏وتمسك بأحمد بن مكي في جملته إلى الحضرة ووفد عليه أخوه عبد الملك مؤديًا طاعة السلطان فكرم موصله وأحسن متقلبهما جميعاً إلى بلدهما على ما كان بيدهما من عمل قابس وجربة‏.‏ثم كانت نكبة السلطان أبي الحسن على القيروان فوفد عليه أحمد بتونس بعد خلوصه من القيروان مجدداً لعهد طاعته فأرادهم السلطان على الامتنان لعبد الواحد اللحياني سلطانهم الأقدم وعقد له على تلك الثغور الشرقية وأنزله جربة وأمرهما بالطاعة له ما دام في طاعته‏.‏وعقد لأبي القاسم بن عتو شيخ الموحدين على توزر وقسطيلية بعد أن كان قطعه عندما تقبض عليه في واقعة السلطان أبي حفص عمر‏.‏ثم استقبل رأيه في استخلاصه عندما انتقض عليه أبو محمد بن تافراكين‏.‏ولما رجع من القيروان إلى تونس عقد له توزر كما ذكرناه ولعبد الواحد بن اللحياني على قابس وجربة فأسف بذلك بني مكي هؤلاء‏.‏وهلك ابن اللحياني لحين نزوله بجربة بما أصابه من علة الطاعون الجارف سنة تسع وأربعين فانتقض بنو مكي على السلطان أبي الحسن ودعوا إلى الخروج عليه وبايعوا الأفضل ابن السلطان أبي يحيى عندما أفرج عن حصار تونس سنة خمسين وداخلوا أبا القاسم بن عتو وهو إذ ذاك لم يتوزر فأجابهم وكانت من دواعي رحلة السلطان أبي الحسن من إفريقية وتقويضه عنها كما قدمناه‏.‏ولما رجع الحاجب أبو محمد بن تافراكين من المشرق واستقل بأمر تونس ونصب الإمام أبا إسحاق ابن السلطان أبي يحيى للخلافة بها في كفالته غصوا بمكانه من التغلب وأنفوا من استبداده وانحرفوا إلى دعوة الأمير أبي زيد صاحب ثغر قسطنطينة‏.‏ووفد عليه أحمد بن مكي مع محمد بن طالب بن مهلهل كبير البدو بإفريقية فيمن إليه فاستنهضوه وقلده الأمير أبو زيد حجابته وجعل أمره إليه‏.‏وأبرز الحاجب أبو محمد بن تافراكين سلطانه أبا إسحاق في عساكره مع خالد بن حمزة وقومه فالتقى الجمعان بمرمجنة وكانت الدبرة على السلطان أبي إسحاق سنة ثلاث وخمسين وجاءوا على أثرهم فنازلوا تونس أياماً وما أفرجوا عنها إلا للصائح يخبرهم باحتلال عساكر بني مرين بالمرية من آخر أعمال تلمسان وأن السلطان أبا عنان قد استحلم بني عبد الواد وجمع كلمة زناتة واستقام له أمر المغربين‏.‏وأطل على الثغور الشرقية فافترق جمعهم‏.‏ولحق الأمير أبو زيد بقسطنطينة وأحمد بن مكي بقابس‏.‏وسأل من الأمير أبي زيد أن يقسم رسم الإمارة بينهم في قابس وجربة بأخيه السلطان أبي العباس فأذن له في ذلك فكانت أول ولايته السعيدة ومضى إلى قابس فنزلها ثم أجاز البحر إلى جربة ودفع عنها العسكر الذي كان محاصراً للقشتيل من قبل ابن ثابت صاحب طرابلس ورجع إلى قابس حتى كان من أمره ما ذكرناه‏.‏وأوفد السلطان أبو العباس أخاه أبا يحيى زكرياء على أبي عنان ملك المغرب صريخاً على شأنه وأوفد ابن مكي رسله متذمماً ومذكراً بوسائله فتقبل وأغضى‏.‏ثم كانت واقعة العدو دمره الله بطرابلس سنة أربع وخمسين كما قدمناه فبعث إلى السلطان أبي عنان يسأله فديتها والنظر لها من بين ثغور المسلمين فحمل إليه خمسة أحمال من الذهب العين من بيت المال أوفد بها من أعيان مجلسه‏:‏ الخطيب أبا عبد الله بن مزروق وأبا عبد الله محمد حافد المولى أبي علي عمر بن سيد الناس‏.‏وعقد لأحمد بن مكي على طرابلس فاستقل بها وعقد لأخيه عبد الملك على قابس وجربة وأقاموا على دعوته‏.‏ومد أحمد يده إلى صفاقس فنازلها وتغلب عليها سنة سبع وخمسين‏.‏وهلك السلطان أبو عنان وقد شرق صدر ابن تافراكين الغالب على الحضرة بعدا وتهمتاً فردد عليهما البعوث براً وبحراً إلى أن استخلص جزيرة جربة من أيديهما أعوام أربعة وستين وعقد عليهما لولده محمد فاستخلف بها كاتبه محمد بن أبي القاسم بن أبي العيون من صنائع الدولة كما ذكرناه‏.‏وهلك أحمد بن مكي سنة ست وستين على تفيئة مهلك الحاجب ابن تافراكين بالحضرة فكأنما ضربا موعداً للهلكة وتوافياه‏.‏وتخلف ابنه عبد الرحمن بطرابلس في كفالة مولاه ظافر العلج وهلك ظافر إثر مهلكه فاستبد عبد الرحمن بطرابلس وساءت سيرته فيها إلى أن نازله أبو بكر بن محمد بن ثابت في أسطوله كما نذكره سنة اثنتين وسبعين‏.‏وأجلب عليه بالبرابرة والعرب من أهل الوطن فانتقض عليه أهل البلد وثاروا به‏.‏وبادر أبو بكر بن ثابت لاقتحامها عليه وأسلموه ففر إلى بيت أحد أمراء دباب فأجاره إلى أن أبلغه مأمنه من محلة قومه وإيالة عمه عبد الملك بقابس إلى أن هلك سنة تسع وسبعين‏.‏ولم يزل عبد الملك لهذا العهد وهو سنة إحدى وثمانين والياً على عمله بقابس وابنه يحيى مستبد بوزارته وحافده عبد الوهاب لابنه مكي رديف له وقد تراجعت أحوالهم عما كانت وخرجت من أيديهم الأعمال التي كانت في إيالتهم لعهد أخيه أحمد مثل‏:‏ طرابلس وجزيرة جربة وصفاقس وما إلى ذلك من العمالات حتى كان البخت إنما كان لأخيه واليمن إنما اقترن بحياته وسيرتهما جميعاً من العدالة وتحري مذاهب الخير والسمت والإتسام بسمات أهل الدين وحلية الفقه معروفة حتى كان كل واحد منهم إنما يدعى بالفقيه علماً بين أهل عصره حرصاً على الإنغماس في مذاهب الخير وطرقه‏.‏وكان لأحمد حظ من الأدب وكان يقرض الأبيات من الشعر فيجيد عفا الله عنه‏.‏وله في الترسيل حظ ووساع بلاغة وخط وينحو في كتابته منحى أهل المشرق في أوضاع حروفهم وأشكال رسومها ولأخيه عبد الملك حظ من ذلك شارك به جهابذة أهل عصره وأفقه‏.‏ولما انتظم السلطان أبو العباس أمصار أفريقية في ملكه واستبد بالدعوة الحفصية على قومه داخل أهل الجريد منه الروع وفزعوا إليه للمقاوضة في الإمتناع فداخلهم في ذلك‏.‏وأشاروا إلى صاحب تلمسان بالترغيب في إفريقية فعجز عنهم وألحوا عليه فخام عن العداوة‏.‏وزحف مولانا السلطان خلال ذلك إلى الجريد فملك قفصة وتوزر ونفطة فبادر ابن مكي إلى التلبيس بالإستقامة وبعث إليه بالطاعة‏.‏ثم رجع السلطان إلى الحضرة فرجع هو عن المصدوقة واتهم أهل البلد بالميل إلى السلطان فتقبض على بعضهم وفر آخرون‏.‏وانتقض بنو أحمد أهل ضواحيه من دباب فنازلوه وبعثوا إلى الأمير أبي بكر بقفصة في العسكر لمنازلته فبعثه إليهم وأحاطوا به‏.‏ثم انتهز الفرصة وداخل بعض العرب من بني علي في تبييت المعسكر وبذل لهم في ذلك المال فبيتوه وانفض وبلغ الخبرإلى السلطان فخرج من حضرته سنة إحدى وثمانين ونزل القيروان وتوافت إليه أحاديات وبعث رسله للأعذار بين يديه فردهم ابن مكي بالطاعة‏.‏ثم احتمل رواحله ونزل بأحياء العرب وأغذ السلطان السير إلى البلد فدخلها واستولى على قصورها ولاذ أهل البلد بالبيعة فأتوها واستعمل عليهم من بطانته وانكفأ راجعاً إلى تونس‏.‏وهلك عبد الملك لأيام قلائل بين أحياء العرب‏.‏وهلك بعده عبد الرحمن ابن أخيه أحمد الذي كان صاحب طرابلس بعد أبيه‏.‏ولحق ابنه يحيى وحافده عبد الوهاب بطرابلس فمنعهم ابن ثابت من النزول ببلده لما كان متمسكاً بطاعة السلطان فنزلوا بزنزور من بلاد دباب التي بضاحيتها وأقاموا هنالك‏.‏واستقامت النواحي الشرقية على طاعة السلطان وانتظمت في دعوته والله مالك الملك‏.‏ثم ذهب يحيى بن عبد الملك إلى المشرق لقضاء فرضه وأقام عبد الوهاب أحياء البربر بالجبال هنالك وكان الوالي الذي تركه السلطان بقابس قد ساء أثره أهلها فدس شيعتهم إلى عبد الوهاب بذلك وجاء إلى البلد فبيتها وثاروا بالوالي فقتلوه سنة ثلاث وثمانين وملك عبد الوهاب قابس وجاء أخوه يحيى من المشرق بعد فرضه فأجلب عليه مراراً يروم ملكها منه ولم يتهيأ له ونزل على صاحب الحمة فداخله عبد الوهاب في أن يمكنه منه ويشترط ما شاء‏.‏وتم ذلك بينهما وأوثقه كتافاً وبعث به فاعتقله بقصر العروسيين فمكث في السجن أعواماً‏.‏ثم فر من محبسه ولحق بالحامة على مرحلة من قابس مستنجداً بابن وشاح صاحبها فأنجده وما زال يجلب على نواحي قابس إلى أن ملكها وتقبض على عبد الوهاب ابن أخيه مكي فقتله أعوام تسعين وسبعمائة‏.‏ولم يزل مستبداً ببلده إلى سنة ست وتسعين‏.‏وكان الأمير عمر ابن السلطان أبي العباس قد بعثه أبوه لحصار طرابلس فحاصرها حولاً كما نذكره حتى استقام أهلها على الطاعة وأعطوا الضريبة فأفرج عنها‏.‏ورجع إلى أبيه فولاه على صفاقس وأعمالها فاستقل بها ثم داخل أهل الحامة في ملك قابس فأجابوه وساروا معه فبيتها ودخلها وقبض على يحيى بن عبد الملك فضرب عنقه وانقرض أمر بني مكي من قابس ولله الأمر من قبل ومن بعد وهو خير الوارثين‏.‏

  الخبر عن بني ثابت رؤساء مدينة طرابلس وأعمالها

قد تقم لنا شأن هذا البلد لأول الفتح الإسلامي وأن عمرو بن العاص هو الذي تولى فتحه وبقي بعد ذلك من جملة أعمال إفريقية تنسحب عليه ولاية صاحبها فلم يزل ثغراً لهذه الأعمال من لدن أمارة عقبة ومن بعده وفي دول الأغالبة‏.‏وكان المعز لدين الله من خلفاء الشيعة لما ارتحل إلى القاهرة وعقد على إفريقية لبلكين بن زيري بن مناد أمير صنهاجة عقد على طرابلس لعبد الله بن يخلف من رجالات كتامة‏.‏ثم لما ولي الخلافة سنة سبع وستين طلب منه بلكين أن يضيف عمل طرابلس إلى عمله فأجاب وعهد له بها وولى عليها بلكين من رجالات صنهاجة‏.‏ثم عقد عليها الحاكم بعد مهلك المنصور بن بلكين ليانس الصقلبي سنة تسعين وثلاثمائة بمداخلة عاملها يمصول من صنهاجة وأعانه على ذلك برجوان الصقلبي المتغلب على الدولة يومئذ لمنافسته ليأنس فوصل إليها في ألف وخمسمائة فارس فملكها فسرح باديس جعفر بن حبيب لحربه في عسكر من صنهاجة وتزاحفا يومين بساحة زنزور ثم انفض عسكر يانس في الثالث وقتل ولحق فله بطرابلس فاعتصموا بها‏.‏ونازلهم جعفر بن حبيب القائد وزحف فلفول بن ثم قصد جعفر بن حبيب بمكانه من حصار طرابلس فأفرج عنها جعفر ولحق بنفوسة وأميرهم يحيى بن محمد فامتنع عليهم ثم لحق بالقيروان ومضى فلفول بن سعيد إلى طرابلس فخرج إليه فتوح بن علي ومن معه من أصحاب يأنس فملكوه وقام فيها بدعوة الحاكم من خلفاء الشيعة وأوطنها‏.‏وعقد الحاكم عليها ليحيى بن علي بن حمدون أخي جعفر صاحب المسيلة النازع إليه من الأندلس فوصل إليها واستظهر بفلفول على بجاية ونازل قابس فامتنعت عليه‏.‏ثم عجز عن الولاية ورأى استبداد فلفول عليه بعصبته فرجع إلى مصر واستبد فلفول بطرابلس وتداولها بنوه مع ملوك صنهاجة إلى أن استبدوا بها آخراً‏.‏ودخل العرب الهلاليون إلى إفريقية فخربوا أوطانها وطمسوا معالمها‏.‏ولم تزل بأيدي بني خزرون هؤلاء إلى أن غلبهم عليها جرجي بن ميخائيل صاحب أسطول رجار ملك صقلية من الأفرنج سنة أربعين وخمسمائة وأبقى المسلمين بها واستعمل عليهم كما فعل في سواحل إفريقية فأقاموا في ملكة النصارى أياماً‏.‏ثم ثار بهم المسلمون بمداخلة أبي يحيى بن مطروح من أعيانهم وفتكوا بهم‏.‏ولما افتتح عبد المؤمن المهدية سنة خمس وخمسين وفد عليه ابن مطروح ووجوه أهل طرابلس فأوسعهم تكرمة وردهم إلى بلدهم وولى عليهم ابن مطروح إلى أن كبر سنه وعجز‏.‏وارتحل إلى المشرق سنة ست وثمانين بإذن السيد أبي زيد بن عمر بن عبد المؤمن عامل إفريقية من قبل عمه يوسف واستقر وتعاقبت عليها ولاة الموحدين ثم كان من أمر ابن غانية وقراقش ما قدمناه وصارت طرابلس لقراقش‏.‏ثم استبد بنو أبي حفص بإفريقية على بني عبد المؤمن‏.‏وهلك قراقش وابن غانية وانتظم عمل طرابلس في أعمال الأمير أبي زكرياء وبنيه إلى أن انقسمت دولتهم واقتطعت الثغور الغربية عن الحضرة‏.‏وفشل ريح الدولة بعض الشيء وتقلص ظلها عن القاصية فصارت رياسة طرابلس إلى الشورى ولم يزل العامل من الموحدين يجيء إليها من الحضرة إلا أن رئيسها من أهلها مستبد عليها وحدثت العصبية في البلد لحدوث الشورى والمنافسة فيها‏.‏ثم نزلها السلطان أبو يحيى بن اللحياني سنة سبع عشرة وسبعمائة حين تجافى عن ملك الحضرة وأحس بزحف السلطان أبي يحيى صاحب بجاية إليها فأبعد عن تونس إلى ثغر طرابلس وأقام بها وأقام أحمد بن عربي من مشيختها بخدمته‏.‏ولما فارق ابن اللحياني تونس ويئس الموحدون من عوده أخرجوا ابنه محمد المكنى بأبي ضربة من الاعتقال وبايعوا له‏.‏وخرج للقاء السلطان أبي بكر ومدافعته فهزمه السلطان أبو بكر وحمله الأعراب الذين معه على قصد طرابلس لانتزاع الأموال والذخائر الملوكية من يد أبيه‏.‏ولما أحس بذلك أبوه ركب البحر من طرابلس إلى الإسكندرية كما هو مذكور في خبره واستخلف على طرابلس صهره محمد بن أبي عمر بن إبراهيم بن أبي حفص فقام بأمرها وولى حجابته رجلاً من أهله يشهر بالبطيسي فساء أثره في أهل طرابلس وحجب عنهم وجه الرضى من سلطانه وحمله على مصادرتهم واستخلاص أموالهم حتى أجمعوا الثورة بالسلطان فركب السفين ناجياً منهم بعد أن تعرض بعضهم لوداعه فأطلعه على سعايات البطيسي بهم فقتلوه لوقته وقتلوا قاضياً بطرابلس من أهل تونس كان يمالئ على ذلك‏.‏وتولى كبر ذلك أحمد بن عربي‏.‏ثم هلك وقام بأمر طرابلس محمد بن كعبور فقتله سعيد بن طاهر المزوغي وملك أمر البلد وكان معه أبو البركات بن أبي الدنيا فمات حتف أنفه‏.‏واستقل ابن طاهر بأمر طرابلس اثنتي عشرة سنة‏.‏ثم هلك وقام بأمرها ثابت بن عمار الزكوجي من قبائل هوارة‏.‏وثار به لستة أشهر من ولايته أحمد بن سعيد بن طاهر فقتله واستبد به‏.‏ثم ثار به جماعة زكوجة وقتلوه في مغتسله عند الأذان بالصبح وولوا محمداً ابن شيخهم ثابت بن عمار أعوام سبعة وعشرين فاستبد بأمر طرابلس نحواً من عشرين سنة وظل الدولة متقلص عنه‏.‏وهو يغالط عن الإمارة بالتجارة والإحتراف بها ولبوس شارتها والسعي راجلاً في سكك المدينة يتناول حاجاته وماعونه بيده ويخالط السوقة في معاملاته يذهب في ذلك مذهب التخلق والتواضع يسر منه حسواً في ارتغاء ويطلب العامل من تونس فيبعثه السلطان على طرابلس يقيم عنده معتملاً في تصريفه‏.‏وهو يبرأ إليه ظاهراً من الأحكام والنقض والإبرام إلى أن كان تغلب بني مرين على إفريقية‏.‏ووصل السلطان أبو الحسن إلى الحضرة على ما نذكره فداوله طرف الحبل وهو ممسك بطرفه ونقل إلى الإسكندرية ماله وذخيرته‏.‏ثم اغتاله أثناء ذلك جماعة من مجريش عند داره فقتلوه وثار منهم للحين بطانته وشيعه‏.‏وولي بعده ابنه ثابت فتزيا بزي الإمارة في اللبوس والركوب بحلية الذهب واتخاذ الحجاب والبطانة‏.‏وأقام على ذلك إلى أن اجتمع بها أسطول من تجار النصارى أغفلوا أمرهم لكثرة طروقهم وترددهم في سبيل التجارة وكثرة ما يغشاها من سفنهم فغدروا بها ليلاً وثاروا فيها وكثروا أهلها فأسلم الحامية إليهم باليد‏.‏وفر مقدمهم ثابت إلى حلة أولاد مرغم أمراء الجواري في أنحائها فقتلوه صبراً لدم كان أصابه منهم في رياسته فكانت مدته ست سنين وقتلوا معه أخاه عماراً‏.‏واكتسح النصارى جميع ما كان بالبلد من الذخيرة والمتاع والخرثى والماعون وشحنوا السفن بها وبالأسرى من العقائل والحامية مصفدين وأقاموا بالبلد أياماً على قلق ورهب من الكرة لو كان لها رجال‏.‏ثم تحدثوا مع من جاورها من المسلمين في فدائها فتصدى لذلك صاحب قابس أبو العباس أحمد بن مكي وبذل لهم فيها خمسين ألفاً من الذهب استوهب أكثرها من جماعة المسلمين بالبلاد الجريدية تزلفاً إلى الله باستخلاص الثغر من يد الكفر وذلك سنة‏.‏وخمسين ولحق ولد ابن ثابت بثغر الإسكندرية فأقاموا به يحترفون بالتجارة إلى أن هلك أحمد بن مكي سنة ست وستين وقام بأمره ولده عبد الرحمن فسما أبو بكر بن محمد بن ثابت إلى رياسة أبيه وذكر عهود الصبا في معاهد قومه فاكترى من النصارى سفناً شحنها بصنائعه وموالي أبيه ونازلها سنة إحدى وسبعين في أسطول من أساطيلهم‏.‏واجتمع إليه ذؤبان العرب ففرق فيهم الأموال وأجلب عليها بمن في قراها وأريافها من الرجل فاقتحمها على عبد الرحمن بن أحمد بن مكي عنوة وأجاره العرب من أولاد مرغم بن صابر تولى ذلك منهم إلى أن أبلغوه مأمنه في إيالة عمه عبد الملك بمكان إمارتهم بقابس‏.‏واستوسق أمر طرابلس لأبي بكر هذا واستقل بولايتها‏.‏ودخل في طاعة السلطان أبي العباس بتونس وخطب له على منابره وقام يصانعه بما للسلطان من الضريبة ويتحفه حيناً بعد حين بالهدايا والطرف إلى أن هلك سنة اثنتين وتسعين وولي مكانه علي ابن أخيه عمار وقام بكفالته عمه‏.‏وكان قائده قاسم بن خلف الله متهماً بالتشيع للصبي المخلف عن أبي يحيى فارتاب ودفعوه لاقتضاء المغارم من مسرتة فتوحش الخليفة من علي وانتقض‏.‏ثم بعث إليه بأمانه فرجع إلى طرابلس ثم استوحش وطلب الحج فخلوا سبيله وركب البحر إلى الإسكندرية‏.‏ولقي بها خالصة السلطان محمد بن أبي هلال عام حج فأخذ منه ذمة وكر راجعاً في السفين إلى تونس يستحث السلطان لملك طرابلس‏.‏فلما مر بهم راسلوه ولاطفوه واستعادوه إلى مكانه فعاد إليهم‏.‏ثم جاءته النفر بالهلكة ففر ولحق السلطان بتونس واستحثه لملك طرابلس‏.‏وبلغ الخبرإلى السلطان فبعث معه ابنه الأمير أبا حفص عمر لحصار طرابلس فنزل بساحتها وافترق عرب دياب عليه وعلى ابن ثابت وقام ابن خلف الله في خدمته المقام المحمود ووفر له جباية الوطن ومغارمه ونقل العرب إلى طاعته ويستألفهم به وأقام عليها حولاً كريتا يمنع عنهم الأقوات ويبترزون إليه فيقاتلهم بعض الأحيان‏.‏ثم دفعوه بالضريبة التي عليهم لعدة أعوام نائطة وكان قد ضجر من طول المقامة فرضي بطاعتهم وانكفأ راجعاً إلى أبيه سنة خمس وتسعين فولاه على صفاقس وافتتح منها قابس كما قدمناه‏.‏وأقام علي بن عمار على إمارته بطرابلس إلى هذا العهد والله مدبر الأمور بحكمته‏.‏هذا آخر الكلام في الدولة الحفصية من الموحدين وما تبعها من أخبار المقيمين المستبدين بأمصار الجريد والزاب والثغور الشرقية فلنرجع إلى أخبار زناتة ودولهم وبكمالها يكمل الكتاب إن شاء الله تعالى‏.‏